لعل المتتبع للقاءات الاخيرة التي عقدها مسؤولون من حماس مع الفريق محمد الذهبي مدير المخابرات الاردنية في عمان يدرك ان هناك تغييراً ولو طفيفاً بدأ يطرأ على العلاقة بين الطرفين وذلك بعد ما يقارب من عشر سنوات عجاف خيمت على هذه العلاقة اثر تدهورها في العام 1999 عندما قام الاردن بتعليق نشاطات الحركة ورحيل قادتها اضافة الى ازدياد التوتر في العلاقات عام 2006 بعد كشف اجهزة الامن الاردنية لشبكة مسلحة من افراد حماس سولت لهم انفسهم العبث بأمن وسلامة هذا البلاد الآمن وهو ما نفته حماس رغم الدلائل والبراهين التي اثبتت ضدها انذاك.
الجديد والاهم في هذه اللقاءات التي كان ظاهرها امني وباطنها سياسي هو ادراك حماس للدور الهام والاستراتيجي الذي يلعبه الاردن ليس على الصعيد العربي والاقليمي فحسب وانما على الصعيد الدولي، فقد استيقظت حماس من سباتها ولو متأخرة بعض الشيء عن هذه الحقيقة التي كلفتها ثمناً سياسياً باهظاً تمثل باستمرار الفتور والقطيعة بين الجانبين.
في المقابل لم تكن الحكومة الاردنية مستميتة في ارجاع العلاقات مع حماس رغم تدخلات الاخوان المسلمين المستمرة التي كانت ترمي الى اصلاح ذات البين بينهما، في الوقت نفسه لم تجد حماس الطريق معبدة وخضراء الى الحضن الاردني الذي لطالما وقف وقفة معتدلة في الخلافات الدائرة بين الفرقاء الفلسطينيين حتى وان مالت كفته للشرعية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس وذلك بهدف المصلحة العليا للشعب والقضية الفلسطينية.
وهنا لا اريد سرد وقائع حدثت سابقا بل سألج الى لب الموضوع الذي بدأت تهلل له حماس وتمتعض منه حركة فتح والسلطة الفلسطينية.
ان التقارب الخجول بين حماس والاردن يحرص من خلاله الاردن اولاً واخيراً في ان يكون لمصلحة الشعبين الشقيقين وليس لخدمة اطراف اقليمية او دولية او لخدمة اجندة سياسية معينة.
اما المطلوب من حماس في هذه المرحلة فهو اثبات حسن النوايا تجاه الاردن بالكف عن الرهان على دول اقليمية وعربية التي ترمي من علاقتها بحماس خدمة اجندتها ومصالحها الضيقة التي تتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني وهذه الدول والجماعات باتت مكشوفة ومعروفة للجميع.
اضافة الى تنبيه حماس بالمثل القائل «جارك القريب ولا اخوك البعيد» اي ان الاردن هو المنفذ الوحيد ليس لحماس فقط وانما لجميع فلسطينيي الضفة الغربية، كما ان مصلحة وامن واستقرار الوضع في الاراضي الفلسطينية هو من مصلحة الاردن ايضاً. وتذكيرها بأن مفاتيح اضفاء الشرعية عليها اقليميا وعالميا وخاصة من قبل الولايات المتحدة الامريكية واوروبا هي اقرب لايدي الاردن والعاهل الاردني عبد الله الثاني الذين يحظون باحترام وتقدير وكلمة مسموعة .
فعلى حماس التفكير جليا بما تريده وعليها ان تعي انها لن تكون قادرة على حمل عصاتها من المنتصف للجمع بين الاعتدال والتطرف في ان واحد ان ارادت تسويق نفسها ليس امام الاردن والدول المعتدلة فحسب وانما امام دول العالم اجمع. كما عليها فهم المتغيرات الاقليمية جيداً لاسيما بما يتعلق بجديدها كالتغيير المؤكد في دفة رئاسة الوزراء الاسرائيلية وتداعياته على الوضع السياسي الداخلي في اسرائيل وعلى عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وايضاً المفاوضات الماراثونية بين سوريا واسرائيل بوساطة تركية والضربة العسكرية المتوقعة لحليفتها الكبرى ايران والانتخابات الامريكية التي ستجلب اما باراك اوباما واما جون ماكين، كل هذه المتغيرات تستدعي من حماس التفكير الجاد في استراتيجيتها الحالية التي جلبت لها المزيد من العزلة والخسارة.
اما السؤال الرئيسي لهذا المقال الذي يطالبنا بكشف نهاية الطريق التي تسلكها كل من الاردن وحماس عبر المسار الامني في قطار اللقاءات سيقودنا الى جواب شاف ومؤكد للنجاح اذا ما راجعت حماس نفسها وغيرت من نمط تفكيرها واسلوبها واستراتيجيتها وهي تعرف جيدا ما المطلوب.
اما بالنسبة للاردن فهو يدرك دائماً ان اي لقاء مع اي فصيل او مسؤول فلسطيني يصب في مصلحة الشعب والقضية الفلسطينية ويساهم في رأب الصدع وانهاء الازمة الداخلية فهو لن يتوانى ولو للحظة في التأخر عنه حتى ولو كلفه ذلك ثمنا سياسيا ودبلوماسيا باهظا لان مصلحة الشعبين الفلسطيني والاردني مصلحة واحدة بعيداً عن اية حسابات فيدرالية او كونفدرالية قد يقتنصها البعض في المياه السياسية العكرة بين البلدين التوأمين.
محمود الفروخ






















