أحمد السوافيري.. اطرافه الثلاثة المبتورة لم تمنعه من تقديم امتحانات الثانوية العامة

عزم يحدوه امل (خاص بـ"القدس")
غزة - - عذرا ًحبيبي ورفيق دربي لسنوات تجاوزت ثمانية عشر عاماً عذرا أيها الطالب المجتهد أحمد أسعد السوافيري لن استطيع أن أكتب كلمات الإجابة على أسئلة امتحانات الثانوية العامة فقد رحلت عنك بعد أن مزقتني صواريخ الاحتلال، كما إنني لن استطيع أن أحمل كوب الماء لتروي عطشك في حرارة الصيف، ولن أستطيع أن أمسح عرق جبينك وجسدك المحترق بشظايا الصواريخ. في هذه اللحظة صمتت يد السوافيري بعد أن لفظت آخر أنفاسها ليحل صوت اعتذار آخر كان بالقرب منها ورحل معها بعيدا عنه كان صوت يمتزج بالدموع رغم أنه لا يملك عيونا تحمل الدموع فكانت من أقدام السوافيري التي اعتذرت تكرارا لأنها رحلت عنه قبل أن تحمله لقاعة الامتحان وقبل أن تنزل به من سلالم منزله وقبل أن تحمله ليدخل الحمام بدون مساعدة أحد. وكما صمت ذراعه الأيسر صمتت القدم اليمنى واليسرى وكذلك عدد من أصابع اليد اليمنى التي مزقتها صواريخ الاحتلال بعيد عن أي كلمة تحمل معنى الرحمة أو حتى شيء من حروفها.
ورغم الدماء التي سالت من جسد أحمد إلا أن حلم تقديم امتحان الثانوية العامة كان يراوده سواء قبل دخوله في المستشفى لإجراء عملية أو حتى بعده في يقظته من البنج أو في نومه الذي يحمل الألم إلا أن قلبه الذي لازال نابض كان يقول "يا رب" ليجلس اليوم في قاعة الامتحانات ليجيب عن أسئلة مادة الاقتصاد بلسانه بعد أن اعتذرت يده وأنامله عن كتابة الإجابة..
حملت أوراقها البيضاء لتسطر بها رحلة السوافيري من معاناة خروجه من المنزل وصولاً لقاعة الامتحان التي حملت له الأمل.
أمل وألم
عيون السوافيري كانت تحمل بداخلهما بريق الأمل والألم فكان الأمل حينما ينام على سرير بيته وعيونه تقلب صفحات كتبه التي عجزت أنامله عن تقليبها له، والألم حينما يعجز أن يروي عطشه أو يمسح عرقه إلا بمساعدة من حوله.
وقال بعد أن حاول جاهدا أن يرسم إرادة قوية في داخله : "إذا قتل الاحتلال الإسرائيلي أطرافي فلن يقتل حلمي بأن أكمل مسيرة تعليمي التي لن تنتهي بمرحلة الثانوية العامة".
وتابع: "كنت ادرس مادة تكنولوجيا المعلومات عند صديقي وفي طريق عودتي للمنزل اشتمت أنفاسي رائحة طيبة وبعدها بدقائق قليلة اطلق صاروخ من طائرات الاحتلال الإسرائيلي أدركت بأنني سوف استشهد فلم أفقد الوعي في ذلك الوقت".
وأكمل حديثه بعد أن مسح شقيقه الأكبر حبات العرق التي تساقطت من جبينه: "كنت أقول لمن يحملني أريد من الجميع أن يسامحني سوف استشهد وكان نزيف حاد يخرج من جسدي ورغم ذلك فكان أصبع السبابة مرتفع بالتشهد".
كان السوافيري يرسم شيء من الابتسامة الممزوجة بالألم كلما سقط ناظريه على كتاب أو دفتر يتعلق بدراسته بالثانوية العامة.
وأوضح أنه رغم صعوبة وضعه في ذلك الوقت إلا أنه كان يتمنى أن يدرس ليقدم الامتحانات في المستشفى إلا أن اجراء العمليات الجراحية وتأثير البنج عرقل ذلك.
وأشار إلى أن العزيمة لديه لم تبتر رغم أن أطرافه الثلاثة قد بترت فرغم أنه لا يستطيع تقليب صفحة الكتاب إلا أنه أصر على أن يقدم امتحانات الثانوية العامة لكونه يدرك بأن العلم حلم حياته.
طريق الامتحان
مراسلة
بدأت رحلتها صباح يوم الامتحان مع السوافيري منذ خروجه من المنزل إلى أن
وصل قاعة الامتحان وبدأ في الإجابة على أسئلة مادة الاقتصاد.
ومع دقات الساعة التاسعة والثلث صباحا كان السوافيري يستعد للخروج من المنزل فكانت المشكلة تكمن بعدم قدرته النزول من منزله لوجود سلالم كثيرة فساعده أشقائه بأن يحملانه إلى أن وصل السيارة التي كانت ركوبها مشكلة بحد ذاته له وبنفس الطريقة تم حمله وإدخاله للسيارة هذه المعاناة كان يمسحها شيء من الأمل الذي كان بداخل السوافيري حينما كان ينظر إلى بطاقة الثانوية العامة وإنه يتجه نحو مدرسة عين جالوت بمدينة غزة لعقد الامتحان.
وما إن دخل المدرسة حتى ارتسم عليه الكثير من الألم حينما وجد أصدقائه يسيرون إلى قاعات الامتحان دون مساعدة من أحد بينما هو لا يستطيع أن يحرك ذبابة أزعجته كثيرا من أمام وجهه.
في ذلك الوقت خرجت كلمات منه وهو ينادي شقيقه الأكبر أمير ويطلب منه كتاب الاقتصاد لكي يراجع بعض المعلومات قبل دخول قاعة الامتحان.
وفي رده على سؤال
بماذا تفكر قبل أن تستلم ورقة الامتحان: "أسئلة الامتحان تشغل تفكيري بدي
أنجح علشان أسافر واركب أطراف اصطناعية وأكمل دراستي الجامعية".
وما إن وصل المراقب وقدم الأوراق ليسجل السوافيري اسمه ورقم جلوسه لم
يستطع أن يمسكها فاكتفى بالنظر إليها وأخذها من حضر ليسجل الإجابات التي
ينطق بها لسان السوافيري. في ذلك الوقت أوقفت
حديثها معه ليكمل إجابة الامتحان وتكمل هي حمل معاناته وقلقه بأن لا يفتح المعبر او يطول اغلاقه على سطور صفحاتها.
المنزل مشكلة أخرى
والد احمد الذي رافقه من المنزل إلى المدرسة كانت جدران قلبه تنفطر كلما نظر إلى أقرانه وهم يسيرون ونجله لا يستطيع الحراك ولكن ما كان يهون عليه إيمانه بالله تعالى. بدأ كلامه بأن حمد الله تعالى والأمنيات تحفها حروف لم تخرج من لسانه بل من قلبه الذي كان يبكي ويخفي دموعه: "حبيبي أحمد كان يحب العلم فلذلك أصر أن يكمل تعليمه وإن فقد ثلاثة من أطرفه لكونه يؤمن بأن العلم هو طريق المستقبل له".
وتابع بعد أن استمسك قوة رجل تجاوز 56 من عمره: "لا أريد الكثير فقط
أريد أن أرى بسمة على وجه ابني وان يركب له أطراف صناعية ويكمل دراسته".
حاول في كلامه أن يحافظ على دموعه لكي لا تظهر لأحد إلا لخالقها " كنت
أتمنى أن أرى أحمد عريس وأزفه لعروسه لكن بإذن الله تعالى سوف ينجح
بالثانوية العامة ويتم علاجه ويكمل دراسته ويتزوج أيضا".
واستكمل حديثه "كم يحزنني حينما أجد أحمد لا يستطيع نزول الدرج أو حتى الذهاب للحمام حيث أن المنزل غير مجهز لحالة مثل حالة أحمد خاصة أنه بيت قديم يسكنه أكثر من 21 فرد"، مبينا أن نجله يجد مشقة كبيرة في الذهاب للحمام.
رغم بتر أطراف أحمد ومعاناته التي تلازمه ليل نهار الا ان بارق امل ينير قلبه وطريقه في امكانية فتح المعابر .. ونحن بدورنا نبعث مناشدة الى كل من يستطيع أن يكسر الحصار ألا يتردد في ذلك ولا يتلذذ العالم بصمته أمام معاناته ومعاناة مليون ونصف محاصرين في غزة ..كفى صمتا.. افتحوا المعابر أمام احمد..لا تبخلوا عليه بأطراف اصطناعية بعد أن دافع بأطرافه عن كرامة الأمة ..احمد لا يريد الكثير يريد فقط أطرافاا اصطناعية وتأهيل بيته ليلائم وضعه الصحي الجديد.. صرخة نطلقها لأصحاب القلوب الرحيمة بألا يقتلوا حلم أحمد في أطراف اصطناعية بعد ان قتل أطرافه صاروخ الاحتلال.














